حسن الأمين

32

مستدركات أعيان الشيعة

للدولة العباسية في أواخر عصورها ، وتلكم النهضة وذلكم الاستقلال كانا حصيلة مجهود وكفاح جسيم بدأ بهما الخليفة المسترشد بالله ( 512 - 529 ه‍ ) وابنه الراشد بالله ، وأخوه المقتفي لأمر الله ( 530 - 555 ه‍ ) وابنه المستنجد بالله ( 555 - 566 ) ثم انتكست الخلافة العباسية بعض الانتكاس على عهد الخليفة المستضيء بأمر الله ( 566 - 575 ه‍ ) فهيأ الله تعالى لها الخليفة الناصر لدين الله بن المستضيء بأمر الله ( 575 - 622 ه‍ ) ، وهو الخليفة الهمام الذي وحد العرب وغيرهم من المسلمين ، وبلغ درجة التقديس عندهم ، وبقيت سيرته من أعجب السير العالمية ، وسياسته من مفاخر السياسات العربية ، وأخباره من نوادر أخبار ذوي السلطان في الدنيا ، لا يكاد التصديق يطور بساحتها لغرابتها وبراعتها وأرابتها حتى يجدها من الأخبار الصحيحة ، التي أجمع عليها المؤرخون وأيدتها الآثار والأفعال وعضدها التواتر ، وإذا نطق العمل صدق القول . ولد بدار الخلافة العباسية بالجانب الشرقي من بغداد ، يوم الثلاثاء عاشر رجب من سنة ( 553 ه‍ ) وأمه جارية تركية اسمها « زمرد » وتلقب بخاتون ، وقد أدركت خلافته وعاشت من سنيها أربعا وعشرين سنة ، قال ظهير الدين الكازروني الأصل البغدادي المؤرخ « كانت راغبة في الخير والصدقة وأفعال البر ، ولها من الصدقات والوقوف ببغداد وغيرها شيء كثير » . كان مولد الناصر لدين الله على عهد أبي جده الخليفة المقتفي لأمر الله ، المشار إليه آنفا ، قبل وفاته بسنتين ، وقضى طفولته وصباه في عهد جده المستنجد بالله . فالمقتفي أتم محاولة أخيه المسترشد بالله ، لإعادة سلطة الخلافة العباسية ، والتخلص من هيمنة الدولة السلجوقية عليها ، والاستقلال في الحكم بالعراق ، وهو أيامئذ من تكريت في الشمال إلى البصرة في الجنوب ، ومن عين التمر في الغرب إلى البندنيجين ( 1 ) في الشرق . وقطعت على عهده الخطبة ببغداد والعراق باسم السلطان السلجوقي في سنة 547 وهي سنة وفاة السلطان الجبار مسعود بن محمد بن ملك شاه السلجوقي الذي كان يخطب له بلقب السلطنة ببغداد بعد ذكر الخليفة الذي هو أمير المؤمنين والمقدم في الدين على الولاة والأمراء والسلاطين ، وبعد ذكر ولي عهده في الخطبة أيضا ، كما جرت عادة الخلفاء العباسيين في عصورهم الأخيرة . وكان هذا السلطان الجبار قد واطا الإسماعيلية على اغتيال الخليفتين : المسترشد بالله وابنه الراشد بالله ، وشاركه في هذه المواطاة السلطان سنجر بن ملك شاه السلجوقي ملك خراسان وما إليها ، وهو يومئذ أكبر السلاطين السلجوقيين بالشرق ، وكان سلاجقة كرمان وسجلاقة بلاد الروم دونه مقاما . وكان جد الخليفة الناصر لدين الله المستنجد بالله قد شارك أباه الخليفة المقتفي لأمر الله في النفاح عن استقلال الدولة العباسية ، وكفاح أعدائها من سلجوقيين وأتباعهم من أمراء الأطراف والأتباع والولاة ، وكان شديد الوطأة عليهم ، غيورا على ناموس الدولة الذي أقامه هو وأبوه ، واستعد للأحداث بجمع العساكر وحارب المفسدين والمعتدين ، وأحكم الحصون التي على حدود العراق ، وكثرت الحروب في أيامه ، وكثر عدوان أتباع السلاجقة على بلاده ، فاضطر إلى القسوة في الحرب والاعدام ، وإلى رمي الخارجين عليه بالتكفير واللعن لهم على المنابر ، فضلا عن حشد الجيوش لمقاومتهم . وكانت شبهتهم الكبرى في تنقص أطراف العراق والنهب للأموال في مدنه ، هي وجوب إعادة السلطنة السلجوقية إلى العراق والخطبة للسلطان أرسلان شاه بن طغرل الثاني بن محمد بن ملك شاه ، وهو صبي يومئذ يتولى أتابكيته أي تربيته أمير تركي اسمه « ايلدكز » ويحكم في بلاد مملكته التي أهم مدنها أصفهان والري وهمذان وعدة مدن في آذربيجان من البلاد المعروفة اليوم بإيران . وتنافس الأمراء السلجوقيون في طلب الخطبة بالسلطنة ببغداد والعراق حتى قال ابن الأثير في حوادث سنة 563 ه‍ : « في هذه السنة أرسل آق سنقر الأحمديلتي صاحب مراغة إلى بغداد أن يخطب للملك الذي هو عنده وهو ولد السلطان محمد شاه . ( بن محمود بن محمد بن ملك شاه ) ويبذل انه لا يطأ أرض العراق ولا يطلب شيئا غير ذلك وبذل مالا يحمله ( إلى الخليفة ) إذا أجيب إلى ملتمسه ، فأجيب بتطييب قلبه ، وبلغ الخبر ايلدكز صاحب البلاد فساءه ذلك فجهز عسكرا كثيفا وجعل المقدم عليهم ابنه البهلوان وسيرهم إلى سنقر ، فوقعت بينهم حرب أجلت عن هزيمة آق سنقر وتحصنه بمراغة ، ونازله البهلوان وحصره وضيق عليه ثم ترددت الرسل بينهم فاصطلحوا وعاد البهلوان إلى أبيه بهمذان » . وإذا كان نصف السياسية اختيار رجالها لا نجد بدأ من أن نذكر أن نهضة الدولة العباسية الأخيرة استندت فيمن استندت إليهم إلى عون الدين أبي المظفر يحيى بن هبيرة كاتب الخليفة المقتفي لأمر الله ، ثم وزيره العالم السياسي المستيقظ المؤلف المتوفى سنة 561 هعلى عهد المستنجد بالله . قال ابن الأثير في تاريخه : « كان حنبلي المذهب ، دينا خيرا عالما يسمع حديث النبي - ص - وله فيه التصانيف الحسنة ، وكان ذا رأي سديد ، ونفق على المقتفي نفاقا عظيما حتى أن المقتفي كان يقول : لم يزد لبني العباس مثله . ولما مات قبض على أولاده وأهله . » فهذا الوزير كتب وحسب ونظم وساس وحارب وألف وأنفق على العلم ، وأيده ابناه عز

--> ( 1 ) تطور اسمها على اختلاف العصور وتعرف اليوم باسم مندلي .